يحيى بن معاذ الرازي

44

جواهر التصوف

غير أهله حتى لا يفهمه على غير وجهه الصحيح ؛ فيأثم لجهله بفحواه وما يرمى إليه ، ولحديث « حدّثوا الناس بما يعلمون ، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله ؟ ! » ورحم الله الإمام الشافعي ، قال : سأكتم علمي عن ذوى الجهل طاقتى * ولا أنثر الدرّ النفيس على الغنم فمن منح الجهّال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم * * * 49 - « حبّك للحبيب يذلّك ، وحبّه لك يدلّلك » [ تاريخ بغداد : 14 / 211 ] * قال تعالى : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [ يوسف : 53 ] وقيام المرء بمخالفة نفسه فيما تهواه » والتخفيف من غلوائها وكبح جماح شهواتها حتى تنقاد ذليلة إلى سيدها ، فإن ذلك يورثها عزا ، ولا عزّ في الحقيقة إلا في طاعة الله ، ولا ذلّ إلا في معصيته . . أما ما تصبو إليه النّفس من عزّ عن غير طريق الله فهي واهمة ، وهو مدخل لدسائس خبيثة كالعجب والفخر والكبر ، ينفث الشيطان فيها فتتورم ذاته ثم لا تلبث أن تلد الموبقات التي يزغرد لها الشيطان ملء شدقيه ، أما من حجّم نفسه ، وفر إلى ربه ، وقد تخلّص من شوائب النفس ، وسعى إلى ربه متذلّلا له ، ومفتقرا إليه عزّت نفسه ، وصارت قويّة بالله وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [ المنافقون : 8 ] ، وقوله تعالى مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [ فاطر : 10 ] أي من كان يريد العزة لنفسه . - على قول - فإن العزة لله جميعا ، ينالها العبد منه بطاعته ، واللّجأ إليه ، والوقوف ببابه ؛ لما ورد في الحديث : « من أراد عزّ الدارين فليطع العزيز ، ومن طلب العزة من غيره كسى من وصفه » أي كسى بالذّلّ لأنها صفة العبد ، ووصف الله العزّة ، ومن طلب العز عند غيره ذل ؛ لما ورد « من استعزّ بقوم أورثه الله ذلّهم » ( ح 2409 كشف الخفا ) ؛ وقال الشاعر الحكيم : أذلّ لمن أهوى لأكسب عزّة * وكم عزّة نالها المرء بالذّلّ إذا كان من تهوى عزيزا ولم تكن * ذليلا له فاقر السّلام على الوصل وقال آخر : وإذا تذلّلت الرّقاب تواضعا * منّا إليك فعزّها في ذلّها وقال ابن عربى رحمه الله تعالى : « محبته لك من أجل ظهوره بك بالصفات ، ومحبتك له من قوام مرادك بالبركات » .